عربي ودولي

هنا تكمن أهمية تايوان لأمريكا والصين
هنا تكمن أهمية تايوان لأمريكا والصين
بِقبول فكرة أن الصين المُستبدة ستستحوذ على تايوان الديمقراطية، ينتهي الحال بكثيرٍ من المعلقين الغربيين إلى السير على خطى الحزب الشيوعي. وبدلاً من أن يرى المرء مستقبل تايوان في صين الحاضر، يستطيع أن يتخيل أيضًا مستقبل الصين يبدو أشبه بتايوان العصر الحالي.

مهما كان الحزب الشيوعي الصيني متشددًا، فهو لن يقمع رغبة الشعب في المشاركة السياسية، أو الشكوى من المظالم، أو إطاحة القادة الذين يُسيئون التصرفذَكَّرَت زيارة نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الأمريكي، لتايبه، العالمَ بمدى أهمية تايوان للصين. غير أن تايوان من المفترض أن تكون مُهمَّة أيضًا للعالم الديمقراطي أجمع، وذلك بحسب دارون أوغلو، أستاذ علم الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجيمس روبنسون، مدير معهد بيرسون لدراسة وحل النزاعات الدولية، وأستاذ جامعي في كلية هاريس للسياسة العامة في جامعة شيكاغو، في مقال مشترك نشرته منظمة "بروجيكت سينديكيت".

وقال الباحثان: "ليس سرًا أنّ الحزب الشيوعي الصيني ملتزم بتوحيد تايوان (التي يعدُّها مُقاطعة انفصالية) بالبرِ الرئيسي للصين. وقد أقرَّت الولايات المتحدة رسميًا بجمهورية الصين الشعبية بوصفها الحكومة الشرعية الوحيدة للصين عام 1979، ومنذ ذلك الحين، امتنعت القوى الغربية غالبًا عن الإقرار بتايوان بصفتها دولةً منفصلة. وسياسة "الصين واحدة" هذه، إضافةً إلى تصاعد المشاعر القومية في الصين، جعلتا استحواذ الصين على الجزيرة خلال العقود المقبلة يبدو محتملاً، إن لم يكن حتميًّا.

تايوان مهمة للصين
ويَعتقد بعض المعلقين الغربيين أن بيلوسي تصرفت بتهورٍ بزيارتها للجزيرة. غير أنهم يتجاهلون كيفَ ولماذا تُعدُّ تايوان بالغة الأهمية أيضًا للديمقراطية وللصين ذاتها.
ثمة اعتقاد شائع بين صنّاع السياسات الغربية وكثيرٍ من المعلقين السياسيين في عصرنا هذا مفاده أنّ الصين ستظل غير ديمقراطية في المستقبل المنظور نظرًا لثقافتها السياسية المُستبدة بعمقٍ. وبحسب هذا الرأي، "فالنزعة الفردية" للغرب تتناقض تناقضًا صارخًا مع الإرث الكونفوشي الصينيّ الذي ينطوي على تسلسلات هرميّة جامدة لا في العائلات وحسب، وإنما في جميع البيئات الاجتماعية. وهذا يعني ضمنًا أنّ الشعب الصيني أكثر استعدادًا لأن يحتل مكانته داخل المنظومة المُحددة مُسبقًا للسلطة، وأقل رغبةً في المشاركة في السياسات الديمقراطية.

ولذلك، أكَّدَ الخبير السياسي صامويل هنتنغتون ذات مرة على أنه "لا يوجد خلاف علمياً فيما يختص بالاقتراح القائل بأن الكونفوشيّة غير ديمقراطية أو معادية للديمقراطية". وفي فترة أكثر حداثة، كتب راي داليو مؤسِّس شركة بريدج ووتر للاستثمار ما نصه إن "كل هذه النظم الصينية هرميّة ولا تعترف بالمساواة.. تُدار أمريكا من القاع إلى القمة (أي بشكلٍ ديمقراطي)، وهي أنسب مكان للفرد؛ أما الصين فتُدار من القمة إلى القاع، وهي أنسب للجماعة.. فالديمقراطية بمعناها الذي نعرفه لا جذور لها في الصين".

وأوضح الكاتبان أنه من السهل أن نرى كيف أن الأعوام الـ2500 الأخيرة من التاريخ الصيني ربما تدعم هذه الأفكار. فقد شهدت الصين العديد من الثورات وصعود العديد من السلالات وسقوطها. وبما أنّ السياسات الديمقراطية كانت غائبة بشكلٍ واضح طيلة تاريخ الصين، فقد يفترض كثيرون أنّ الصين مُقدَّر لها أن تظلَّ تحت قيادة زعيم قوي يرأس نظامًا هرميًّا من القمة إلى القاع، والدعاية الحكومية الصينية تُعزِّز هذا الرأي باجتهاد. وتقارن الصحف الصينية والمعلقون السياسيين دومًا بين كفاءة النظام الصيني والسياسات الجامدة للغرب، مع الإشارة أيضًا إلى أن تلك الكفاءة تتفق بقدرٍ أكبر مع القيم والثقافة الصينية.

هونغ كونغ وتايوان..نسيج ثقافي واحد
ولكن، هل هذا صحيح؟ يرى المحللان أن هونغ كونغ وتايوان تشتركان في النسيج الثقافي نفسه الذي ورثته الصين، غير أنهما تستندان إلى نُظم سياسية مختلفة كل الاختلاف. وحتى حَمْلة القمع التي شنها الحزب الشيوعي الصيني على هونغ كونغ عام 2020، كانت الجزيرة بصدد بِناء ديمقراطية نابضة بالحياة. وديمقراطية تايوان حتى أكثر سطوعًا. فمنذ الثمانينات، وضعت منظومة ديمقراطية قوية ذات مشاركة واسعة النطاق. والنظام التايواني أبعد ما يكون عن النُخَب، فهو ثمرة جهود الطلاب وغيرهم من المواطنين العاديين الذين طالبوا بالمزيد عبر سياسات ديمقراطية.

إن المشاركة الديمقراطية في تايوان يبدو أنها شهدت طفرة على مدار السنوات الستة الأخيرة. فقد كان حزب الكومينتانغ هو المهيمن على الجزيرة طيلة تاريخها تقريباً، إذ أسسه القائد السياسي العسكري الصيني شيانج كاي شيك الذي فرَّ من الصين برفقة جنوده المخلصين ونحو 1.5 مليون من أنصاره بعد أن هزمه الشيوعيون عام 1949. وقد تقلدت الحكومة الحالية، بقيادة الحزب الديمقراطي التقدميّ، مقاليدَ السلطة في الانتخابات العامة عام 2016، بعد مظاهرات واسعة النطاق ضد جهود حزب الكومينتانغ الساعية إلى إبرام صفقة تجارية عنوةً مع الصين رغم المعارضة الكبيرة لها. وخلال المظاهرات، احتلّت حركة عبّاد الشمس الطلابية مبنى البرلمان.

تايوان رائدة الديمقراطية الرقمية
ولم تكن هذه مرحلة عابرة تفجرت فيها مشاعر الغضب والاحتجاج وحسب. فالتايوانيون رواد في الديمقراطية الرقمية. والمشاركة السياسية النشطة من جانب مختلف شرائح المجتمع هي القاعدة السائدة. ولذلك فإن الحكومات التايوانية تستشير الجمهور دومًا في القرارات المصيرية، كقوانين مشاركة وسائل المواصلات ومبيعات المشروبات الكحوليّة.

وتستضيف تايوان أيضاً "هاكاثون رئاسيًّا" يسمح للمواطنين بالتقدُّم بمقترحات مباشرة للرئيس، ولديها منصة إلكترونية تقدِّم بيانات من غالبية الوزارات التايوانية بغية تشجيع المجتمع المدني على الارتقاء بالعمليات الحكومية. وفي مواجهة جائحة فيروس كورونا المُستجد، حشدت حكومة تايوان جهودًا فعّالة عبر التشاور الديمقراطي والتآزر الوثيق مع المجتمع المدني وأدوات رقمية جديدة للفحص وتتبع المُخالطين.

وتُبدي تايوان هذه النزعات الديمقراطية القوية لا لأنها خضعت لتحولٍ ثقافي تغريبيّ. فحتى 2000، عزَّزَ نظام حزب الكومينتانغ القيم الكونفوشيّة التي تفصله عن النظام الشيوعي في الصين، وأثبتت استطلاعات الرأي اللاحقة أنّ القيم الكونفوشية تضرب بجذورها بقدرٍ أكبر في تايوان مما تفعل في الصين.

ولذلك تُعزز الجزيرة نقطة سَبَقَ أنْ أثبتها الباحثان ألا وهي أنه من الخطأ التأكيد على أي لون من العلاقة التي لا تنفصم بين القيم الثقافية والنظُم السياسية. فجميع الثقافات، ولا سيما الثقافات الكونفوشية، ينبغي النظر إليها بوصفها قابلة للتكيف بقدرٍ كبير مع الظروف المُتغيرة. فمن الممكن أن تستند النظُم السياسية على العديد من الأُطر الثقافية.

القيم الكونفوشية والديمقراطية التايوانية
وفي حين قال كونفوشيوس إن "العامة لا يُناقشون أمور الحكومة"، فقد شدَّدَ أيضًا على أن "الدولة لا تقوم لها قائمة لو فقدت ثقة الشعب". ويوصي الفكر الكونفوشيّ باحترام القادة وطاعتهم إذا كانوا يتحلّون بالفضيلة. ويترتب على ذلك منطقيًّا أنه إذا لم يتحلّ القائد بالفضيلة، فمن الممكن إبداله، وربما حتى كان واجباً على الشعب إحلاله بقائد آخر. ويدعم هذا التفسير السديد للقيم الكونفوشيّة الديمقراطية التايوانيّة.

وفي المقابل، نجد أن دعاية الحزب الشيوعي الصيني تفيد أن القيم الكونفوشية لا تتماشى قط مع الديمقراطية، وأنه لا يوجد بديل يصلح أن يحل محل حُكم الحزب الواحد. وهذا خطأ فادح وواضح، برأي التحليل. فالديمقراطية ممُكنة في الصين كما في تايوان بالضبط. ومهما كان الحزب الشيوعي الصيني متشدداً، فهو لن يقمع رغبة الشعب في المشاركة السياسية، أو الشكوى من المظالم، أو إطاحة القادة الذين يُسيئون التصرف. إن تايوان مُهِمَّة لأنها تمثل المسار السياسي البديل للصين، وهو المسار الذي لطالما أدامَ الحرية والرخاء في الغرب.

11 أغسطس 2022

هاشتاغ

التعليقات

الأكثر زيارة